تلعب المشاهد داخل السيارات جزء لا يتجزأ من صناعة الدراما، إلا أن هنالك دائماً انماطاً متكررة في الإضاءة وتوزيع الكاميرات، تتكرر بشكل ملحوظ في كل الأعمال السينمائية والفنية حتى تكاد أن تصبح قاعدة اساسية، اليوم ومن خلال هذه المقالة، سنستخدم مجموعة كبيرة من اللقطات، وسنقوم بفرزها حسب تلك الأنماط لفهم الطريقة التي فكر بها مدير التصوير حين صور ذلك المشهد، وماهي تبعات قراراته في توزيع الاضاءة، وما هي النتائج والمعوقات التي سنحصل عليها لو قمنا بالتصوير باحدى تلك الأنماط.

أين خط قاعدة 180 درجة؟
الخطوة الأولى والأساسية في تغطية مشاهد السيارات هي تحديد خط قاعدة 180 درجة، وهو الخط الذي نعتمد عليه لنقرر الجهة التي ستتمركز فيها الكاميرا. وعندما ننظر إلى الفراغ الداخلي للسيارة بشكل عام، نجد أن جميع الركاب يتجهون بطبيعتهم نحو الأمام، مع وجود محور رئيسي يمر عرضياً من مقعد السائق وصولاً إلى مقعد المرافق بجانبه وهو بالضبط ما يشكل لدينا خط قاعدة 180 درجة.

بعد تحديد خط قاعدة 180 درجة، يصبح لدينا خياران رئيسيان لتوزيع الكاميرات والإضاءة: إما أن تتموضع الكاميرا في مقدمة السيارة أمام السائق، أو أن تكون خلفه. ولكل خيار من هذين الخيارين تفاصيله وتبعاته التي ترسم الشكل النهائي لتنفيذ العمل. لذلك، دعونا نستعرض هاتين الحالتين بالتفصيل لنرى كيف ستكون الإضاءة في كل منهما، وما هي الإيجابيات والسلبيات الخاصة بكل خيار.
الخيار الأول: الكاميرا أمام السائق – Wide shot
في هذا الخيار، تتموضع الكاميرا أمام المقاعد الأمامية لا خلفها، وتنظر بشكل مباشر نحو داخل السيارة من الأمام لتكشف اللقطات الواسعة كامل الكابينة الداخلية، بما تشمله من السائق، ومن إلى جانبه، ومن في الخلف.






عند التعامل مع هذه اللقطات ورغبتنا في بناء عمق بصري، يجب أن نتجنب إضاءة الممثلين من نفس جهة الكاميرا قدر الإمكان. هذا الخيار يترك لنا المجال لإضاءة المشهد من جوانب السيارة اليمنى واليسرى، مع ضرورة ضبط وموازنة التعريض بما يتناسب مع ما يظهر خارج النوافذ. والسبب في ذلك أن إضاءة الممثلين مباشرة من جهة الكاميرا ستمنحنا إضاءة متساوية على كامل الوجه، مما يجعل وجه الممثل مسطحاً – Flat ويطمس معالمه، ويفقده البعد الدرامي، فضلاً عن غياب التركيز عن وجه الممثل نتيجة تساوي نسب التعريض.

مع ذلك، يلجأ بعض مدراء التصوير إلى إضافة إضاءة ناعمة جداً لملء الظلال من جهة الكاميرا، وقد تكون هذه الإضاءة عبر عواكس وليست بالضرورة ضوءاً مباشراً، ولكنها لا تمثل الإضاءة الأساسية للقطة، بل تكون إضاءة مكملة تستخدم لاحقاً في لقطات الكلوز أب التي سنتوسع في شرحها لاحقاً وبشكل أكثر تفصيلاً.

يجب التنويه هنا إلى أن التوجه الفني في إضاءة هذه المشاهد يجب أن ينبع أساساً من جوهر القصة: هل الموضوع الذي نصوره درامي أم كوميدي؟ فالدراما تتطلب ظلالاً وتبايناً عالياً لخلق جو درامي يسهم في غمر المشاهد بصرياً في صلب المشهد، بينما لا يحتاج الجو الكوميدي إلى الظلال، بل يتطلب وجوهاً واضحة وخالية من الظلال.
الخيار الأول: الكاميرا أمام السائق – لقطات Close ups
الآن سنرى تأثير الخيارات التي اتخذناها حين بنينا اللقطة العامة وحددنا طريقة إضاءتها، فحين ننتقل إلى لقطات الـكلوز أب – Close ups، ندرك بوضوح الدور الضروري الذي لعبه ضوء الملء – Fill Light القادم من الزجاج الأمامي للسيارة في إضاءة وجوه الممثلين، وهنا تكتسب الإضاءات الجانبية التي بنينا عليها المشهد أهمية أكبر بكثير.

لنأخذ هذا النموذج من مسلسل OZARK، وهو مشهد درامي لحوار يدور داخل السيارة حيث تمت تغطية المشهد بالكامل من أمام الممثلين لا من خلفهم :
في اللقطة العامة نرى أن الإضاءة بشكل عام تنير الممثلين من يمين الكادر وليس بشكل مباشر من جهة الكاميرا، نظراً لأن الموضوع في اللقطة درامي، وكان هنالك حاجة لخلق الظلال في اللقطة.

وبالانتقال إلى لقطات الـكلوز أب – Close ups، نجد أن هناك تعديلاً بسيطاً طرأ على الإضاءة، فبينما كانت الإضاءة تنير وجه الممثل من اليمين في اللقطات العامة، تحولت جهة الإضاءة لتأتي من الواجهة الأمامية للسيارة، أي أن الكاميرا والإضاءة تبادلتا الاتجاهات بهدف خلق الظل الموجود على وجه الممثل وتفادي إضاءة اللقطة من ذات الزاوية التي تصور منها الكاميرا.

لكن عندما انتقلت الكاميرا لتغطية مقعد السائق، عادت الإضاءة مرة أخرى لمكانها الأصلي، لتنير وجه الممثلين بشكل كامل مع خلق الظلال مرة أخرى


نرى هنا إلى ان مدير التصوير قام بتأسيس المشهد بناء على هدف أساسي دائماً هو تجنب الإضاءة المسطحة المباشرة، وخلق التباين والظلال التي تفرضها طبيعة المشهد الدرامي، مع الالتزام بقاعدة المحافظة على منطقية الإضاءة واتجاهها مهما تغيرت زوايا الكاميرا.
بالنظر للأمثلة التي تغطي المشاهد الكوميدية، سنلاحظ فوراً تغييراً جذرياً في فلسفة توزيع الإضاءة. فبينما تسعى الدراما إلى خلق الغموض والعمق النفسي عبر إضافة الظلال إلى وجه الممثل، تعتمد إضاءة المشاهد الكوميدية على الوضوح البصري التام وكشف التفاصيل التفاصيل من خلال التصوير بنسب تباين أقل، وظلال أقل حدة وأقل وضوحاً.



وعلى عكس الدراما التي توجه الإضاءة غالباً من جانب واحد لخلق الظل، نجد في الكوميديا اعتماداً أكبر على ضوء الملء – Fill Light المنتشر بقوة داخل المساحة الضيقة للسيارة، حيث يتم الاستعانة بانعكاسات الضوء الطبيعي القادم من الزجاج الأمامي والنوافذ الجانبية بشكل واسع، لضمان أن تبدو وجوه الشخصيات مضاءة ومكشوفة بالكامل، مما يمنح المشهد طابعاً بصرياً مريحاً.


الخيار الثاني: الكاميرا خلف السائق – Wide shot
بعكس الخيار الأول حيث كانت الكاميرا تواجه الممثلين مباشرة من مقدمة السيارة، في هذا الخيار تتموضع الكاميرا خلف المقاعد الأمامية، وتنظر نحو الأمام، لتكشف الطريق والزجاج الأمامي كجزء أساسي من الكادر، بينما يظهر الممثلون من الجانب أو من الخلف جزئياً.
هذا الخيار يغير معادلة الإضاءة مقارنة بالخيار الأول. فبما أن الممثلين يجلسون بإتجاه بعيد عن الكاميرا ونحو الأمام، نرى أن وجه الممثلين لم يعد مهماً، واللقطة أصبحت تظهر المكان والبيئة المحيطة وكيفية تفاعل الشخصيات معها، عوضاً عن التركيز على تعابير وجه الممثلين، فهنا يلجئ مدير التصوير لموازنة الإضاءة الخارجية مع ما في داخل السيارة، التوازن لا يعني بالضرورة مساواة نسبة الاضاءة، بل ضبط نسب التعريض وفق ما يظهر خارج السيارة وهو ما سبق وأن طرحناه تحت عنوان The point of control.




الخيار الثاني: الكاميرا خلف السائق – لقطات Close ups
الآن سنلاحظ الفرق الأكبر، الحالة الطبيعية والأكثر منطقية أن يأتي الضوء من زجاج السيارة الأمامي، وبما أن الكاميرا تقع على الطرف الآخر من خط قاعدة 180 درجة، فإن الظلال ستكون بشكل طبيعي وتلقائي من طرف الكاميرا، وهو ما سيخلق مزيداً من العمق في الصورة، مزيداً من الظلال على الوجه، وستصبح اللقطات هذه أكثر تركيزاً على تعابير وجه الممثل وحالته النفسية






عندما تنتقل الكاميرا لتتمركز في الجزء الخلفي من السيارة وتنظر باتجاه المقاعد الأمامية، فإننا نصبح محكومين بنطاق ضيق جداً من الخيارات نظراً لوجود واجهة زجاجية أمامية واسعة ينكشف من خلالها ما هو خارج المركبة، ولإضاءة العناصر الموجودة داخل السيارة في هذا النمط، يصبح لزاماً علينا توجيه الإضاءة عبر الزجاج الأمامي من الطرف المعاكس للشخصية التي نقوم بتصويرها.
فكما يوضح المخطط الهندسي لتوزيع الإضاءة، يُستفاد من وحدات الإضاءة الخارجية المتموضعة في مقدمة السيارة لتسليط الضوء عبر الزجاج الأمامي، بحيث تعمل على إضاءة وجه الممثل المستهدف من الجهة المقابلة، مع خلق التباين المطلوب والتحكم بالظلال داخل المساحة الضيقة للكابينة، دون التسبب بانعكاسات مزعجة على الزجاج، ودون ظهور معدات الإضاءة بالتأكيد في الكادر.

التصوير بين الحالتين
عند التصوير من الأمام نحو الداخل، فإننا نمنح المشاهد شعوراً بالوضوح، فالمشاهد ينظر بشكل مباشر نحو الممثلين وأدائهم، لذا فإن هذه الزاوية تمثل ما يمكن تشبيهه بالأداء المسرحي، لذا فإننا نستخدم هذه الزاوية في الحوارات ذات طابع الصراعات والنقاشات والإعترافات، لأنها عادة ما تربط الشخصيات ببعضهم البعض في كادر واحد يجمعهم جميعاً دون حواجز بصرية، كما أننا من خلالها نستطيع إبراز تعابير الوجه وردود الأفعال السريعة، خصوصاً إذا كان المشهد كوميدياً.




أما في حالة التصوير من الخلف نحو الأمام، فإننا نضع المشاهد في حالة المراقب المتخفي، كأن المشاهد يجلس في الخلف بشكل صامت يراقب ما يحدث عن قرب. تسهم هذه الزاوية بإظهار التوتر والترقب، وتضخيم الشعور بعدم الراحة وتسهم في خلق بيئة من الغموض والتشويق، وإذا ما إستخدمنا اللقطات العامة منها، فإننا نضع الشخصيات والسيارة في عالم وبيئة فتسهم اللقطة العامة بربط الشخصيات بالبيئة الخارجية.




في الختام، أود تذكيركم أنه بإمكانكم إرسال إستفساراتكم من خلال الضغط على تواصل معنا، كما بإمكانكم متابعتنا عبر حسابنا في إنستاغرام للمزيد من المحتوى الحصري.
دمتم مبدعين.
هل أعجبتك المقالة ؟ شاركها مع أصدقائك ..
من المراجع :
– Brown, Blain. Cinematography: Theory and Practice: Image Making for Cinematographers and Directors
– Mercado, Gustavo. The Filmmaker’s Eye: Learning (and Breaking) the Rules of Cinematic Composition.
– American Cinematographer Magazine
– Painting With Light. John Alton صفحة 74
– ShotDeck
– Frameset




