تقنيات في الإضاءة: لماذا نستخدم إضاءات كبيرة ذات استطاعات عالية؟

لماذا نستخدم إضاءات كبيرة ذات استطاعات عالية في الوقت الذي توفر لنا الكاميرات الحديثة قدرة على التصوير بحساسية عالية تسمح لنا بشكل أو بآخر بالتعامل مع اضاءات أقل استطاعة لإنارة المشاهد، فلماذا يلجأ مدراء التصوير للإضاءات عالية الشدة؟ ولماذا لا يفضلون بيئة العمل الأسهل؟ وما تأثير هذا التفضيل على الجودة البصرية والخيارات الفنية للصورة النهائية في المشروع؟

تقنيات في الإضاءة: لماذا نستخدم إضاءات كبيرة ذات استطاعات عالية؟
تقنيات في الإضاءة: لماذا نستخدم إضاءات كبيرة ذات استطاعات عالية؟

سينماتوغرافي = تحكم كامل

التصوير السينمائي – Cinematography وبغض النظر أكان العمل الفني يخدم السينما، التلفزيون أو غيرها من المشاريع الرقمية هو بطبيعته عملية فنية للرسم بالضوء وصنع المشهد من الصفر، وهو مختلف عن تسجيل الفيديو العادي، فليس الهدف منه فقط توثيق او تسجيل ما يظهر أمام الكاميرا فقط، وفي سياق هذه المقالة تحديداً، فأن التصوير السينمائي يقوم على جوهر أساسي ومهم جداً ألا وهو التحكم المطلق في كل من: الإضاءة والتي ينتج عن التحكم بها تحكم محكم بالظلال، ثم تأتي الضرورة الملحة للتحكم المطلق في نسب التباين – Contrast ratios ثم التحكم المطلق في كل من جودة وإتجاه الضوء.

لكي يستطيع مدير التصوير تنفيذ رؤيته الفنية والتقنية، وأن يروي القصة بصرياً بإسلوب متسق وصحيح، يتوجب أن لا تكون الكاميرا أو الإضاءة في حالة من العشوائية المتخبطة والمتأرجحة، بل يجب أن يكون كل ضوء داخل سيت التصوير، وكل ضوء يصل لسينسور الكاميرا خاضع بشكل واضح لقرار مسبق ناتج عن دراسة وضرورة وغاية واضحين.

إقرأ أيضاً : كيف يعمل مستشعر الكاميرا وكيف يولد الصورة

مشكلة الحساسية العالية وفقدان التحكم

في السنوات الأخيرة لجأت كثير من الشركات لتسويق كاميراتها الجديدة من خلال توفير منظومة جديدة في مستشعراتها الجديدة، وذلك من خلال توفير مستشعرات بقيمتي Base ISO، فيمكنك التصوير بنفس الكاميرا لكن بقيمتين مختلفتين من الحساسية، وهو ما يسمح لك بالتصوير في ظروف إضاءة منخفضة للغاية عند التبديل إلى قيمة Base ISO الأعلى، فيسصبح المستشعر أكثر حساسية للضوء فتلتقط الكاميرا كل تلك الإضاءة التي أصبحت قادرة على التقاطها.

في الشكل العام، تبدو الفكرة واعدة، نعم، فذلك حل ممتاز جداً عند تصوير حفل ما أو حدث ما وليس لديك ما يكفي من الإضاءة، بمعنى آخر هذه التقنية ستفيد أكثر في الفيديوغرافي أكثر منها في السينماتوغرافي، ففي التصوير السينمائي – Cinematography تعتبر هذه الحساسيات العالية في المستشعرات سلاحاً ذو حدين، وفي معظم الأحيان تكون عائقاً كبيراً أمام التحكم الفني والتقني المطلق الذي يسعى له مدير التصوير.

الحساسية العالية سلاح ذو حدين

عندما تعمل مستشعرات الكاميرات بحساسيات عالية جداً، مثال سريع هنا ككاميرات Sony FX3 بحساسية تصل إلى 12800 ISO، سنجد أننا أمام مشكلة كبيرة جداً، وهي أن الكاميرا أصبحت تقرأ وتسجل كل فوتون ضوئي في موقع التصوير، وأصبحت ترى أكثر مما نريد، فكل إنعكاس ضوئي داخل موقع التصوير، حتى لو كان غير مرئي للعين، ستستطيع الكاميرا إلتقاطه وتسجيله، وعندما نتحدث عن إنعكاس الضوء، فإن ذلك الإنعكاس يحصل بسبب إرتداد الضوء عن سطح جسم ما، وبالتالي إنتشار لون ذلك السطح أيضاً في موقع التصوير، فسنرى أن كل ضوء في موقع التصوير مرتد ومنعكس عن الأرضية والسقف والجدران والديكور وغيرها من العناصر في المكان سيشكل لنا مصيبة حقيقية لن تجعلنا قادرين على الوصول لحالة التحكم المطلق التي نريد الوصول إليها بكمية الإضاءة.

أضف لذلك أننا عندما نعمل على توزيع الإضاءة فأننا نقوم باحتساب وإعتماد نسب للإضاءة، نسبة الضوء الأساسي – Key Light إلى ضوء الملئ – Fill light ونسبة الضوء الأساسي Key Light – إلى نسبة ضوء المكان – Ambient Light، وهكذا.. الآن عندما نقوم بالتصوير بحساسية عالية، فسنخسر أفضلية التحكم بتلك النسب، وستبدأ الإضاءة المنتشرة العشوائية بملئ الظلال وتخريب نسب الإضاءة التي نريدها.

وكما أشرنا أعلاه فان التحكم المحكم بالضوء ينتج عنه تحكم محكم في الظلال أيضاً، فالتصوير السينمائي لا يحتاج فقط للضوء، بل يحتاج أيضاً للظل، لكن عند إستخدامنا لحساسية عالية في مستشعر الكاميرات، فسيصبح حينها عزل العناصر بعضها عن بعض وتكوين التأطير الضوئي مستحيلاً نظراً الكاميرا أصبحت قادرة على الرؤية في الظلام.

تقنيات في الإضاءة: لماذا نستخدم إضاءات كبيرة ذات استطاعات عالية؟
تقنيات في الإضاءة: لماذا نستخدم إضاءات كبيرة ذات استطاعات عالية؟

إضاءة أقوى وحساسية أقل

وهنا نستطيع فهم مدراء التصوير بشكل دقيق، نريد التحكم بكل شيء، إذا لنقم بالتصوير بحساسية أقل، هذا يعني أن الكاميرا ستقرأ وتسجل إضاءة أقل، وعليه يتوجب علينا إضافة ضوء أكثر للمشهد، بهذا الشكل لن تقوم الكاميرا بقراءة وتسجيل الضوء المتناثر والمرتد عن الاسطح، ولن تقرأ ابداً أي إضاءة لا نريدها، فالظلال تبقى ظلالاً والإضاءة التي نريدها ستبقى كما هي.

فعندما نقوم بخفض حساسية المستشعر، تصبح الكاميرا عمياء تقريباً تجاه أي ضوء ضعيف أو عشوائي، والضوء الوحيد الذي سيتم التقاطع هو الضوء الذي نقوم بملئ إرادتنا بإضافته للبقعة التي نريد إنارتها فقط، وبوجود إضاءات قوية وبتحكم مطلق ومحكم بها، يمكننا الآن إستخدام مختلف الطرق لحجب أو تشتيت أو تخفيف الإضاءة عن أي بقعة نريدها للوصول إلى النسب التي نسعى اليها.

العمل ضمن هذا الإطار التقني الإحترافي، يضمن الوصول لأنقى وأصفى صورة ممكنة خالية من أي مشاكل تقنية كالضجيج – Digital Noise في مناطق الظلال، كما يضمن الإستفادة القصوى من الداينامك رينج الكامل لمستشعر الكاميرا والوصول لتفاصيل اوضح في كل من المناطق الساطعة – Highlights ومناطق الظلال – Shadows.

في الختام، أود تذكيركم أنه بإمكانكم إرسال إستفساراتكم من خلال الضغط على تواصل معنا، كما بإمكانكم متابعتنا عبر حسابنا في إنستاغرام للمزيد من المحتوى الحصري.
دمتم مبدعين.

هل أعجبتك المقالة ؟ شاركها مع أصدقائك ..

عبد الهادي العاني
عبد الهادي العاني

مصور سينمائي سوري، ملتزم بتعزيز المحتوى العربي من خلال مشاركة المعرفة والخبرة في الجانب التقني من صناعة الأفلام والمحتوى الموجه لمدراء الإضاءة والتصوير.

المقالات: 192

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *