قبل أن تنتسب إلى أي دورة في “صناعة الأفلام”

لا يخفى على أحد أن مجال “صناعة الأفلام” كمهنة، هو بطبيعته مجهول للكثيرين من غير العاملين فيه، أي أن هناك جهل كبير بطبيعة المجال والمهام الوظيفية فيه، وحقيقة أن هذا المجال لا ينحصر فقط في الأفلام. يحاول البعض دائماً استغلال عدم معرفة اليافعين والمهتمين بهذا المجال الفني، لتقديم دورات تدريبية تحت مسميات فضفاضة وواسعة جداً لا علاقة لمحتواها بمفهوم صناعة الأفلام. في هذه المقالة، نود تقديم بعض النصائح والنقاط الأساسية التي يجب على الجميع الانتباه لها قبل الانتساب أو الاستثمار في أي دورة أو أكاديمية أو دبلوم أو أي نشاط تحت أي مسمى يستخدم كلمة “صناعة الأفلام” بالشكل التسويقي الرخيص الذي ينتشر الآن من قبل البعض.

قبل أن تنتسب إلى أي دورة في صناعة الأفلام

حقيقة مصطلح “صناعة الأفلام”

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا المصطلح الواعد والبراق سيقدم الكثير من الوعود التي تلبي رغبات من يودون الدخول إلى مجال السينما والتلفزيون. لكن للأسف، ومنذ أحد عشر عامًا مضت، وربما أكثر بكثير، أصبح هذا المصطلح مجرد كليشيه شعبوي تسويقي (كلمة مبتذلة)، له تأثير كبير على آذان الشباب المليء بالحماس للتعلم والدخول بشغف إلى عالم الفنون، وتحديدًا في مجال السينما والتلفزيون.

حقيقة العمل في المجال

ما يجهله الكثيرون أننا وكعاملين في هذا المجال، لا نعتبر هذا المصطلح مصطلحاً ذو قيمة، بل في الحقيقة هو مصطلح ما إن سُمع من أحدهم فذاك يدل على أنه مازال في مستوى مبتدئ في المجال، فكلمة “صانع أفلام” هي كلمة بحد ذاتها تتناقض كثيراً من مفهوم العمل في مجال السينما والتلفزيون، والذي هو عمل قائم على العمل الجماعي المنظم ضمن فريق، فلا يوجد “صانع” للأفلام، بل يوجد مجموعة ضخمة وجيش من المبدعين والفنانين في مختلف المجالات التخصصية، وهم بدورهم جميعاً دون أي تفريق يسهمون في صناعة الفيلم أو المادة الفنية البصرية.

ثم أن كلمة “صانع أفلام” لا تصف بالتحديد ما يظنه البعض أنها تعني، فهل صاحبها مخرج؟ أم كاتب سيناريو؟ أم مصور؟ أم غافر ربما؟ أو لربما مونتير؟ أم منتج؟

لطفاً لا تقل لي أنك كل هؤلاء معاً في آن واحد.

قبل أن تنتسب إلى أي دورة في صناعة الأفلام

إنتبه إلى الإستغلال

إذا ما صادفت إعلاناً أو عرضاً لدورة أو دوبلوم أو ورشة تحمل في عنوانها كلمة “صناعة أفلام” فلا تتسرع بالدفع والإنتساب لها، إحذر الإستغلال والخداع، عليك أولاً أن تعرف طبيعة المحتوى الذي سيقدم ضمن الدورة، هل هو تخصصي؟ أي أنه يعنى بتخصيص الطلبة في مجال معين مثل كتابة السيناريو مثلاً أو التصوير السينمائي أو تحرير الفيديو؟ أم أن المحتوى هو عبارة عن “تجميعة عناوين” لكل التخصصات الفنية؟

الشهادات وأهميتها

لا تنجذب نحو كلمات مثل “شهادة معتمدة”، فطبيعة العمل في السينما والتلفزيون لا تتطلب إبراز شهادة ما لكي تضمن حصولك على العمل، لا يعترف أحد ولا أي شركة إنتاج بأي شهادة خارج الشهادات الأكاديمية العلمية الصادرة عن الجامعات الرسمية أو المعاهد الدولية المعتمدة من الشركات المتخصصة في المجال مثل: Arri، Red وغيرهم.

وحتى لو حصلت على عدد من الشهادات في المجال، يبقى العامل الأساسي للتوظيف أو الحصول على العمل والأهم من تلك الشهادات هو : مدى إتساع معارفك وعلاقاتك الشخصية في الوسط الفني وأعمالك التي تتحدث عن خبرتك.

فالمجال بطبيعته يعتمد بشكل أساسي على العلاقات، أنا أعرف المخرج الفلاني، وهو يعرف طبيعة عملي وتوجهي الفني، فهو سيقترحني للأعمال التي سيعمل عليها بناء على تلك المعرفة، وكذلك لو كنت معروفاً لعدة مخرجين أو منتجين وكان لي معارف كُثر في الوسط، أما الأسلوب التقليدي في حيازة عدد من الشهادات فتلك الآلية لا تجدي نفعاً في هذا المجال.

قبل أن تنتسب إلى أي دورة في صناعة الأفلام

المعنى الأكاديمي والإعتماد

عندما تقرأ كلمة “شهادة معتمدة” عليك أن تعرف ماهي طبيعة هذا الإعتماد، هل تعني تلك الكلمة أنها معتمدة من السوق المحلي؟ فتتيح لحامليها الدخول إلى المجال بشكل أسرع مثلاً؟ خصوصاً وأن هناك بعض الدول في العالم، تتميز بتوفير سلسلة تعليمية تطرحها النقابات المهنية وشركات الإنتاج لرفد كوادر جديدة في قطاع العمل، فهل هذا ما نتكلم عنه؟ أم أنها معتمدة منهجياً من جامعة أو معهد ما لا ينتمي بشكل مباشر إلى سوق العمل؟ أم أن كلمة “معتمدة” هي كلمة خالية من المعنى رميت بين السطور والكلمات لجذب المزيد من الشغوفين في المجال وإستغلال طموحاتهم؟

بحسب تعريف قاموس كامبريدج : الأكاديمي أو الأكاديمية هو الموضوع الذي يُدرس بمنهاج علمي في المدارس والجامعات

وبحسب تعريف قاموس كولينز : يُستخدم مصطلح “أكاديمي” لوصف الأشياء التي تتعلق بالعمل المنجز في المدارس والكليات والجامعات، وخاصة العمل الذي يتضمن الدراسة والتفكير بدلاً من المهارات العملية أو التقنية.

ويمكننا القول أن هذا هو أحد الأسباب التي منعتنا من تسمية مدونة رديف بـ “أكاديمية”، فنحن هنا نشارك خبراتنا ومعرفتنا التقنية والفنية خارج الأُطر الأكاديمية ودون إشراف رسمي أكاديمي معتمد من جامعة أو مدرسة أو معهد ما، فاستخدام كلمة “أكاديمية” له ما له من مسؤوليات تتبع هذه الصفة، وله أسس وقواعد ومحددات تُلزم صاحبها أن يكون أكاديمياً أولاً وأن يكون محتواه مبني على المفهوم الأكاديمي الصحيح.

لذلك نؤكد مرة أخرى على ضرورة الإنتباه إلى أي دورة تود الدخول لها، خصوصاً إذا كانت تحمل مسميات مثل “أكاديمية” أو “شهادة معتمدة” أو “إعتماد” فكل تلك الكلمات يتم إستخدامها بشكل خبيث لأهداف تسويقية وتجارية بحتة لا علاقة لها لا بمعناها الحقيقي.

لذا عند تغيير اسلوب تفكيرنا حول الشهادات والدورات، وادراك ان اي دورة ننتسب لها هي تحصيل معرفي خاص بنا لا احد يكترث به، ما يكترث الناس له هو ترجمة تأثير مجمل التحصيل العلمي والمعرفي والتقني لدينا على ما ننتجه من عمل فني، عدى عن ذلك فكل ما تقوم به من دورات وكورسات و ورش فنية هي إستثمار ذاتي لا أكثر، فهم هذه النقطة سيساعدك كثيراً على تحديد أين تستثمر أموالك بالشكل الصحيح، وقد يسهم انتاج فيلم قصير بذات ميزانية تكلفة الدورة المهنية التي تسعى للتسجيل فيها، إلى توفير معرفة وخبرة أكثر مما تطرحه تلك الدورة من معلومات.

في الختام، أود تذكيركم أنه بإمكانكم إرسال إستفساراتكم من خلال الضغط على تواصل معنا، كما بإمكانكم متابعتنا عبر حسابنا في إنستاغرام للمزيد من المحتوى الحصري.
دمتم مبدعين.

هل أعجبتك المقالة ؟ شاركها مع أصدقائك ..

عبد الهادي العاني
عبد الهادي العاني

مصور سينمائي سوري مقيم في إسطنبول، ملتزم بتعزيز المحتوى العربي من خلال مشاركة المعرفة والخبرة في الجانب التقني من صناعة الأفلام.

المقالات: 177

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *