Color Space Transformation: الأسس والآليات للتحويل بين المساحات اللونية

تعد عملية التحويل اللوني للمواد البصرية Color space transformation والتي تختصر أحيانا بـ CST حجر الأساس في الهندسة البصرية للتصوير السينمائي، فبدون الفهم الصحيح والعميق لآلية نقل البيانات اللونية في المادة المصورة من فضاء لوني إلى آخر، لا يمكن تكوين اتساق بين ما تلتقطه الكاميرا وبين ما تعرضه الشاشات، وهو ما قد ينتج عنه مشاكل في العرض والألوان، لذا سنقدم اليوم مدخلاً مفاهيمياً وتطبيقياً لآلية التحويل بين المساحات اللونية بما يخدم مشاريعنا

Color Space Transformation: الأسس والآليات للتحويل بين المساحات اللونية

مقدمة في مفهوم تحويل المساحات اللونية – Color space transformation

تكلمنا سابقاً في مقالة مفصلة عن ماهية المساحات اللونية، وشرحنا من خلالها المساحة اللونية المعتمدة للعرض في الشاشات المتداولة بين أيدينا والتي نسميها مساحة REC709، وللتذكير سريعاً، عندما نقوم بالتصوير باي كاميرا كانت، فأننا نحصل على مواد مصورة بمساحة لونية خاصة بتلك الكاميرا، تكون في الغالب أوسع من المساحة اللونية القياسية REC709، بحيث تتيح لنا تلك المساحة الواسعة تعديل الالوان دون الإضرار بالمادة، فيكون لدينا داتا أكثر للتعامل معها، بالمختصر، الهدف الاساسي من هذه العملية الحفاظ على الدقة اللونية في اللقطات – Color Accuracy، والحفاظ أيضاً على الداينامك رينج – Dynamic Range في اللقطات ليتاح لنا التعديل والتحكم بالصورة بشكل اكبر.

كل مساحة لونية – Color Space تُعرف بثلاث عناصر أساسية:

  • Primaries : وهي إحداثيات الألوان الأساسية (الأحمر، الأخضر، الأزرق) في المخطط الكروماتي.
  • White Point: وهي النقطة التي تتوازن فيها كل الالوان فتنتج لنا اللون الأبيض الصافي.
  • Transfer Function (Gamma): وهو المنحنى الذي يحدد كيفية تحويل القيم الرقمية إلى سطوع بصري.

الدوافع خلف تحويل مساحات الألوان

لا يمكن للأنظمة الرقمية التعامل مع الألوان بفضاء واحد موحد، فهنالك فروقات بين التصوير والعرض فالكاميرات السينمائية تلتقط البيانات في مساحات لونية واسعة جداً، على سبيل المثال كاميرات ARRI تلتقط البيانات بمساحة Arri Wide Gamut، بينما معظم شاشات العرض المنزلية تقوم بعرض المادة بمساحة أصغر حجماً وهي Rec709، في حين تعتمد دور السينما مساحة P3-D65، وتضيف شاشات الـ HDR الحديثة مساحات أوسع مثل Rec2020، كما تتطلب المؤثرات البصرية VFX العمل في مساحات لونية خطية Linear Color Space لضمان واقعية دمج الإضاءة في المشاهد، وهي مساحات مختلفة عن مساحات Gamma، كما يتم التعامل مع مساحات لونية مختلفة لضغط البيانات وتسهيل علمية النقل والبث الرقمي.

Color Space Transformation: الأسس والآليات للتحويل بين المساحات اللونية
النموذج القياسي في تحويل المساحة اللونية من مساحة اللون الخاصة بالمصدر إلى مساحة اللون الخاصة بالعرض

كيف نقوم بالتحويل بين مساحات الألوان؟

يعد برنامج Davinci Resolve البرنامج الرائد والمعتمد في السينما فيما يتعلق بالألوان والتلوين السينمائي، ويمكن التعامل من خلال البرنامج مع المساحات اللونية بعدة طرق واساليب عمل تتيح لنا الوصول للغاية المنشودة، من أبسط الأدوات التي يمكن إستخدامها هي أداة Color Space Transform وإختصاراً CST عند استخدامها أنت تقوم بالعمليات التالية:

  • تقوم بتحديد مكان التحويل في شبكة Nodes الخاصة بالمشروع، فلموقع التحويل أهمية أيضاً سنتحدث عنها لاحقاً، ثم نضيف اداة CST لها
  • بعد إضافة الأداة نختار المساحة اللونية القادمة من الكاميرا – Input Color Space (مثال Sony S-Gamut3)
  • نختار المنحنى اللوغاريتمي المستخدم وقت التصوير – Input Gamma (مثال Sony S-Log3)
  • نختار المساحة اللونية المراد عرض المادة بها في Output Color Space غالباً ما تكون Rec.709
  • ثم نقوم بتعيين المنحنى اللوغاريتمي Log النهائي للمادة من Output Gamma وهو غالباً ما يكون Rec.709 أو Gamma 2.4
من خلال الأداة التي أضفناها لـشبكة الـ Node حولنا المساحة اللونية للصورة من Arri wide Gamut 4 إلى مساحة Rec709 القابلة للعرض على الشاشات

هذه هي الطريقة الأبسط والأسرع للتعامل مع مساحات الألوان، لكن هنالك نموذج عمل Workflow دولي وموحد للتعامل مع مساحات الألوان وهو ما نريد الحديث عنه اليوم.

منظومة أكاديمية الفنون وعلوم الصور المتحركة – ACES

يُعد نظام ACES إطار عمل شامل ومفتوح المصدر صممه خبراء في أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، يهدف هذا النظام إلى حل مشكلة تعدد المساحات اللونية الناتجة عن تنوع الكاميرات في المشروع الواحد (كمثال استخدام عدة كاميرات Sony, ARRI, RED في نفس المشروع) واختلاف شاشات العرض.

نظام ACES هو معيار دولي تقني لإدارة الألوان، صُمم ليعمل مع أي تكنولوجيا حالية أو مستقبلية، يهدف النظام إلى الحفاظ على الدقة اللونية الكاملة للمادة المصورة، وتسهيل سير العمل بين الأطراف المختلفة في مرحلة ما بعد الإنتاج (Post-production).

لماذا نحتاج إلى ACES؟

في سير العمل التقليدي، توفر كل شركة مصنعة للكاميرات مساحاتها اللونية الخاصة ومنحنيات الجاما Log الخاصة بها، مما يخلق تعقيداً عند دمج لقطات من كاميرات مختلفة أو عند العمل على المؤثرات البصرية VFX، فيأتي نظام ACES ليوحد هذه العمليات تحت مظلة تقنية واحدة ومفتوحة المصدر.

المكونات الأساسية لنظام ACES

يتكون نظام عمل ACES من أربع محاور أساسية:

  • Input Device Transform – IDT: يقوم هذا الجزء بتحويل البيانات الملتقطة من الكاميرا سواء كانت بصيغة RAW أو Log إلى فضاء ألوان ACES، يتم تصميم كل IDT بواسطة الشركة المصنعة للكاميرا لضمان تحويل دقيق يعكس الخصائص الفيزيائية للمستشعر الكاميرا.
  • ACES Color Space : هو الفضاء اللوني الأساسي للنظام، ويتميز بكونه فضاء واسع جداً – Wide Gamut يتجاوز ما تستطيع العين البشرية رؤيته، ويعمل بنظام حسابي خطي Linear-float بدقة 32 بت، مما يضمن عدم فقدان أي تفاصيل في المناطق المضيئة أو الظلال.
  • Reference Rendering Transform – RRT: يعمل هذا المكون كمحرك للعرض Render engine/ حيث يقوم بتحويل البيانات نفسها من مستوى المشهد Scene-referred إلى مستوى العرض Display-referred، حيث يطبق مظهراً سينمائياً أولياً يشبه استجابة أفلام الأنالوغ التقليدية للضوء.
  • Output Device Transform – ODT: بما أن شاشات العرض تختلف في قدراتها في العرض، مثل شاشات الـ HDR أو البروجكترات السينمائية، يقوم محور ال ODT بتحويل البيانات من مرحلة RRT لتناسب الجهاز الذي تشاهد عليه الصورة حالياً، يضمن ذلك أن تظهر الصورة بأفضل شكل ممكن على أي وسيلة عرض.
 تم دمج المرحلتين RRT و ODT في مكوّن واحد يُسمى Output Transform في إصدار ACES 2.0، حيث يقوم بعملية الرندر والتحويل معاً دفعة واحدة لكل جهاز عرض، مما يبسّط سير العمل ويقلل من التعقيد الحسابي مقارنة بالنظام القديم.
ACES Workflow – نظام عمل ACES

نظام عمل ACES في Davinci Resolve

في هذه المقالة لن نتعمق اكثر في التفاصيل التقنية فيمكن تقديم التفاصيل أكثر في مقالة مخصصة، إلا أننا سنتحدث بشكل سريع عن آلية عمل نظام ACES في برنامج Davinci Resolve ليكون مقدمة تسمح لنا بالبدء بالحديث التفصيلي عن الموضوع، لذا دعونا نبدأ، كيف لنا أن نعمل بنظام ACES في برنامج Davinci Resolve؟

نظام عمل ACES في Davinci Resolve : إعدادات المشروع

عند تفعيل نظام عمل ACES من إعدادات المشروع (Project Settings > Color Management)، يتحول البرنامج من نظام العمل التقليدي YRGB إلى نموذج ACES وهنا يطلب منك البرنامج تحديد نسختين للعمل:

  • ACES Version: مثل ACES 1.3 وهو الإصدار الذي يحدد أحدث الخوارزميات المستخدمة.
  • ACES Color Science: يتم الاختيار عادة بين:
    – ACEScc: نظام خطي Linear لكنه موزع لوغاريتمياً، يجعل أدوات التلوين Color Wheels تستجيب بشكل حساس جداً.
    – ACEScct: مشابه لـ ACEScc لكنه يضيف انحناء في منطقة الظلال Toe، مما يجعل استجابة أدوات التلوين تشبه إلى حد كبير استجابة الفيلم السينمائي التقليدي، وهو الخيار المفضل لأغلب الملونين حالياً.

سنعتمد بشكل أساسي على نظام ألوان ACEScct بأحدث إصداراته المتاحة ACES 2.0 في التطبيق

نظام عمل ACES في Davinci Resolve: المراحل الثلاث

يعمل نظام ACES داخل Davinci Resolve من خلال ثلاث مراحل رئيسية:

بوابة الإدخال ACES Input Transform – IDT : عند ادخال المواد إلى المشروع يتوجب علينا يدوياً إخبار Davinci Resolve عن طبيعة المادة المصورة باي كاميرا صورت وماهي اعدادات الالوان الخاصة بها، من خلال هذه المرحلة نحول اللقطات متعددة المساحات اللونية والمنحنيات اللوغارتمية إلى فضاء ومساحة لونية واحدة ضمن نموذج ونظام ACES الدولي. عند إدخال اللقطة إلى البرنامج، نضغط بالزر اليمين على اللقطة ونختار ACES Input Transform ثم نحدد نوع الكاميرا وبقية التفاصيل.

ننوه هنا إلى أنه ومن خلال فهم آلية عمل هذا النظام، نفهم الأهمية الشديدة لفهم مدير التصوير للكاميرات التي يعمل عليها وفهم مساحات الالوان وآلية التعريض الصحيحة لها وضرورة فهمه الصحيح لنظام عمل ACES الدولي.

مساحة العمل – ACES Working Space : خلال هذه المرحلة تتم كافة عمليات التصحيح اللوني، تسمح لنا مساحة ACES اللونية فائقة المساحة، إلى التعامل مع عمليات حسابية أكثر دقة، كمثال حين نقوم بالتعديل على التشبع اللوني أو التباين لن نواجه مشاكل تكسير في الصورة، فمن خلال آلية العمل هذه، نكون قد وحدنا لغة الكاميرات كلها مع بعضها البعض ضمن لغة واسعة وأعم مما يسهل علينا مطابقة الألوان بينها.

بوابة التخريج ACES Output Transform – ODT : وهنا يتم رندرة وتخريج المواد بالصيغة التقنية والفنية التي تناسب الشاشة التي سيتم عرض العمل عليها، والتي سيشاهدها الجمهور، فتكون وظيفة هذه البوابة ضغط البيانات الهائلة لتناسب المدى اللوني لشاشات العرض، مثل نظام الوان Rec709 للشاشات العادية ونظام P3-D65 للسينما، نقوم بضبط هذه الإعدادت من قائمة إعدادات المشروع تحت مسمى ACES Output Device Transform.

ACES Workflow في بيئات الإنتاج

لا يقتصر دور نظام ACES على كونه أداة تقنية داخل برنامج التلوين فحسب، بل يتعدى ذلك ليصبح لغة موحدة تُدار من خلالها الألوان عبر خط الإنتاج السينمائي بأكمله، بداية من موقع التصوير ووصولاً إلى مرحلة التخريج النهائي، ففي بيئات الإنتاج الكبيرة حيث تتداخل أقسام متعددة كقسم التصوير والكاميرات وقسم المؤثرات البصرية VFX وقسم المونتاج وقسم التلوين السينمائي، يصبح الاعتماد على ACES ضرورة عملية أكثر منه خياراً تقنياً، فهو يضمن وصول اللقطة إلى كل قسم بنفس الدقة اللونية التي غادرت بها الكاميرا، دون أن يفرض أي طرف مساحته اللونية الخاصة به على بقية الأطراف.

كمثال، حين يستلم قسم المؤثرات البصرية VFX لقطة معينة للعمل عليها، فإنه يستقبلها ضمن فضاء ACES خطي Linear، وهو الفضاء الأمثل لإجراء حسابات الإضاءة ودمج العناصر ثلاثية الأبعاد مع اللقطة الحقيقية بما يضمن واقعية النتيجة النهائية من ناحية الإضاءة، وبعد انتهاء هذا القسم من عمله تُعاد اللقطة إلى خط الإنتاج ضمن نفس فضاء ACES لتصل إلى الملوّن دون الحاجة لأي تحويلات إضافية أو قلق بشأن فقدان البيانات اللونية، وهذا التناسق يقلل بشكل كبير من الأخطاء التي كانت تحدث سابقاً عندما تنتقل اللقطة بين برامج وأقسام مختلفة، كما تسرع هذه العملية من وتيرة العمل ويمنح فريق ما بعد الإنتاج قدرة أكبر على ضبط الجودة عبر مراحل المشروع المتعددة.

بهذا نكون قد استعرضنا الأساس المفاهيمي لعملية تحويل المساحات اللونية، بدءاً من أداة CST البسيطة وصولاً إلى منظومة ACES الشاملة وآلية عملها داخل Davinci Resolve. فهم هذه المنظومة لم يعد رفاهية تقنية، بل ضرورة لكل من يعمل في سلسلة الإنتاج البصري، من مدير التصوير إلى فني التلوين السينمائي، لضمان اتساق الألوان عبر كل مراحل المشروع، في المقالات القادمة سنتعمق أكثر في التفاصيل التقنية لنظام ACES ومدخلاته ومخرجاته.

في الختام، أود تذكيركم أنه بإمكانكم إرسال إستفساراتكم من خلال الضغط على تواصل معنا، كما بإمكانكم متابعتنا عبر حسابنا في إنستاغرام للمزيد من المحتوى الحصري.

عبد الهادي العاني
عبد الهادي العاني

مصور سينمائي سوري، ملتزم بتعزيز المحتوى العربي من خلال مشاركة المعرفة والخبرة في الجانب التقني من صناعة الأفلام والمحتوى الموجه لمدراء الإضاءة والتصوير.

المقالات: 190

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *